رفيق العجم

المقدمة 27

موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي

الحسن الخرقاني يصف الصوفي بالنهار غير المحتاج للشمس أي أن الصوفي أصبح مصدرا للإشراق ، فغدا حقيقة كبرى من حقائق الكون أفعل من الشمس والقمر وحتى أقوى من الوجود البشري فنعته بالعدم المضاد للوجود فلسفيّا . وكيف يكون كل ذلك يوضحه أبو الخير بعدمية الوجود البشري والطبيعي والتماهي والذوبان بالمتعالي والأعلى ، بعد أن يفقد المتصوّف أي حسّ طبيعي وإنساني لما يصيبه . مضمون التصوف وكنهه : بعد هذه العجالة السريعة في عرض معاني التصوف ومصطلحاته وأبعاده ودوره المعرفي ، ونمو مفاهيمه وموقعه الفلسفي والنظري والسلوكي من خلال الشاهد النصّي وبعض أدوات النظر المعاصر لقراءة الموروث ، يمكننا عرض حقائق التصوف الجوهرية ومضمون هذه التجربة الإسلامية التراثية الفذّة والمتميّزة ؛ والتي تحوّلت من تجربة فردية ذوقية كشفية إلى طرق ومؤسسات إسلامية أثّرت في الحياة الاجتماعية والروحية . فلا مندوحة من الإقرار بأن التصوف يجعل الحقيقة والمعرفة انقداحا وإشراقا وعرفانا . إنه حال من الاتجاه الغنوصي الذي يبتعد عن الوضوح الحسي المباشر ، ويباين الخضوع للقوانين الموضوعية القائمة على القياس والتجربة والتحقّق بالمراجعة ، أي بشهود الجماعة على صحة هذا القانون وتلك التجربة أو بإشهاد النص المقدّس بالمقايسة والاستنباط العقليين واللغويين . إن المعارف عند المتصوف تشرق على القلب والصدر والوجدان والسر بالفؤاد ، وليس في العقل . فالحقيقة في شطح وتعريف وكرامة الصوفية ليست نتاجا عقليّا يؤيّده الحس والمشاهدة والتواتر ، أو النص المفسّر والمتّفق على تفسيره من أكثر من واحد ، ولا هي من العمل الوضعي الجماعي الاجتماعي . إن الحقيقة عند الصوفية تعرض عن ذلك وتعتبر تلك الحقائق عامة وهراء ، على الرغم من استنادها أحيانا على التديّن والعبادة والأخلاق والمنطق . إن للحقيقة الصوفية منطقا وأخلاقا وطقوسا ووعيا من مستوى خاص بها ، وعلى السالك التصديق بها واتباع طريقها ونهجها بالخبر والرواية عن الأولياء المتصوفة ، وقبول تأويلاتهم وما يعتمدونه ويتأيّدون به من نصوص مقدسة يؤوّلونها . والأقوى : « ما جاءت بها الأخبار وصحّت الروايات ونطق بها التنزيل » « 1 » .

--> ( 1 ) الكلاباذي ، ص 71 .